وفي اليوم الثالث كنت أسكب القهوة حين سمعت صوته يناديني من الممر
آنا يجب أن تري هذا.
ذهبت إليه. كان راكعا على الأرض وقد رفع السجاد وكشف الألواح.
رفع رأسه نحوي وفي يديه ظرف رقيق مائل إلى الاصفرار هش عند الأطراف..
اسمي مكتوب على المقدمة بخط أمي.
أخذته بكلتي يدي وكأنه قد يتحلل بين أصابعي.
كانت رائحته مزيجا من ماء الورد والغبار.
فتحته بأصابع مرتجفة.
في الداخل رسالة. ووصية.
وصية أمي الحقيقية بتاريخ يسبق تلك التي أرسلتها كيتلين بثمانية أشهر.
وهذه كانت تقسم كل شيء مناصفة بيننا بوضوح لا لبس فيه.
وموقعة.
وموثقة.
كان توقيع أمي هو نفسه الذي زين بطاقات أعياد ميلادي وتصاريح المدرسة وملاحظاتها الصغيرة لي.
كان خطها لا شك.
نسخة كيتلين لم تكن خطأ فقط بل كانت مزيفة.
تسللت الدموع إلى عيني وارتجفت الورقة بين يدي. شعرت بالخيبة لكن الأعمق كان الغضب.
اتصلت بالمحامي السيد بنسون خلال ساعة.
مرحبا أنا آنا ابنة مارلين. وجدت وصية أمي الحقيقية. كيتلين أعطتني نسخة مزورة وأحتاج مساعدتك.
سألني هل أنت متأكدة
قلت وجدتها تحت الأرضية في غرفة نومها بخط يدها وموقعة وموثقة. نسخة كيتلين لا تقاربها حتى.
تنفس المحامي ببطء.
وقال عليك الحذر يا آنا. الأمر لم يعد يتعلق بالميراث فقط. إن كانت كيتلين قد زورت وثائق قانونية عن قصد فقد تفعل أي شيء لتحمي ما تعتقد أنه ملكها.
أدركت حينها أن علي مواجهتها لكن بطريقتي.
في المساء اتصلت بها ودعوتها إلى المنزل.
فقط لنتحدث يا أختي. عن الترميمات لدي أفكار وأريد سماع رأيك. هذا كان منزلنا.
قالت سآتي لكن حضري شيئا لذيذا حسنا
وصلت متأخرة نصف ساعة بنظارات شمسية كبيرة ومعطف جينز قديم كانت تسرقه من خزانة أمي أيام الثانوية.
قالت وهي تنظر حولها
واو فعلت مثل برامج الترميم التلفزيونية أليس كذلك
قلت بهدوء لم أفعل الكثير بعد. أحاول فقط إصلاح ما يحتاج إصلاحا. بعض الألواح القديمة كانت خطيرة.
رمقتني بنظرة متهكمة
طبعا آنا المثالية.
جلسنا إلى الطاولة في صمت ثقيل يذكر بصمت المستشفيات بعد منتصف الليل. وضعت أمامها كوب الشاي شاي البرغموت الذي كانت أمي تعشقه والذي كنت أعده لها دائما في ليالي الشتاء حين ينهكها البرد والمرض. شعرت للحظة أن رائحته وحدها تحمل ذاكرة كاملة من حياتي معها. ثم وضعت الملف أمام كيتلين ببطء وكأن الوثائق نفسها تحمل وزن السنوات الماضية لا مجرد أوراق.
رفعت حاجبها بنبرة باردة وهي تسأل
ما هذا
أجبتها وأنا أراقب ارتعاشة خفيفة في أصابعي
أنت من يجب أن تخبرني بالحقيقة.
مدت يدها إلى الصفحة الأولى وبدا على ملامحها أنها تتوقع شيئا تافها فاتورة وصل شراء أو ورقة تتعلق بالترميم. كانت تتعامل مع الأمر باستخفاف واضح كمن يظن أنه يعرف كل شيء مسبقا ولا ينتظر أي مفاجأة.
لكن المفاجأة كانت تنتظرها.
ما إن وصلت أصابعها إلى صفحة الوصية الحقيقية حتى تغير وجهها بأكمله.
توقفت حركة يديها فجأة وكأن الزمن تجمد حولها.
تسارعت أنفاسها قليلا ثم حاولت إخفاء ذلك.
تقلصت عيناها وارتجف فكها بطريقة لم أراها عليها منذ كنا أطفالا.
رفعت بصرها إلي نظرة مليئة بالاتهام والخوف في آن واحد وسمعتها تقول بصوت متماسك مصطنع كمن يتشبث بآخر خيط من السيطرة
أنت فتشت. كنت أعلم أنك لن تتحملي فكرة أن تترك أمنا كل شيء لي.
لم أرد.
الصمت في تلك اللحظة كان أبلغ من أي كلمة.
كنت أنظر إليها لا بغضب ولا شماتة بل بحزن مر حزن على أختي على علاقتنا وعلى كل ما خسرناه دون أن ندرك.
لكنها لم تحتمل صمتي.
ضـ,ـربت الطاولة بيدها وصرخت بنبرة حادة كسكين
أنت دائما هكذا يا آنا! دائما! تظنين نفسك أفضل مني! لماذا لم تستسلمي فقط أمك ماتت.
هنا فقط شعرت بغضب بارد يتمدد في صدري.
لكن صوتي خرج هادئا ثابتا أقوى من الغضب نفسه
لم أكذب يوما يا كيتلين.
نهضت فجأة حتى إن الكرسي انقلب خلفها وارتطم بالأرض بقوة.
حاولت أن تجعل من صوتها سلاحا لكنها كانت ترتجف قليلا
لم أكن بحاجة لأن أكذب! أمي أعطتك كل شيء! طوال حياتي كنت أعيش في ظلك بينما أنت كنت تأخذين نصيب الأسد دائما. حبها اهتمامها وقتها وأنا حصلت على الفتات.
نظرت إليها طويلا.
لأول مرة لم أر أختي التي خانتني بل رأيت الطفلة التي لم تستطع يوما أن تقول ما يؤلمها.
قلت لها بصدق لا بسخرية
كان يمكنك أن تكوني معها في أسابيعها الأخيرة. لو أردت. لكنك لم تأتي. لم تتحملي. لم تستطيعي الجلوس قربها وهي تمـ,ـوت ببطء ثم بعد ذلك اخترت أن تسرقي.
احمر وجهها بالكامل كأن الحقيقة صفعتها.
ثم قالت بحدة يائسة
لن أستمع لهذا الهراء.
أخذت الوصية من أمامها طويتها بهدوء شديد ودفعتها نحوها.
ثم قلت بصوت منخفض لكنه كان أقوى من كل صراخها
لكن المحكمة
ستستمع يا كيتلين.
ظلت واقفة لكن خطواتها نحو الباب كانت متعثرة متوترة كأن الأرض نفسها لم تعد تثق بها.
وحين صفقت الباب خلفها بقوة اهتز البيت كله كأن صدى خروجها كان إعلانا لنهاية مرحلة كاملة من حياتنا.
في اليوم التالي مباشرة بدأت الإجراءات القانونية.
جمد القضاء كل الأصول خلال ساعات وكأن العدالة على بطئها أحيانا أرادت هذه المرة أن تعيد التوازن سريعا.
عادت الممتلكات إلى حالها الأصلي وفق وصية أمي الحقيقية.
ورغم كل شيء لم تستطع كيتلين الاعتراض.
لم يكن لديها ما تقوله.
الوثيقة المزيفة كانت فضيحة مكتملة الأركان.
ظننت أن هذه النهاية.
ظننت أن العدالة القانونية هي آخر الفصول.
لكنني كنت مخطئة
لأن grief الحزن لا يغلق أبوابه ببساطة.
إنه يبقى ويمتد ويتحول.
أحيانا يصبح لزجا يلتصق بالروح.
وأحيانا يصبح هادئا يعلق الذكريات في الهواء كغبار ذهبي.
بعد أسبوع صعدت إلى العلية للبحث عن صناديق تخزين.
كانت رائحة الخشب القديم تعبق بالمكان والغبار يتطاير في الهواء مثل طبقة رقيقة من الضباب الرمادي.
هناك خلف الدعامات الخشبية رأيت صندوقا صغيرا.
كان مغبرا مغطى بطبقة كثيفة تشبه الجلد اليابس وكأنه لم يفتح منذ سنوات طويلة.
فتحته ببطء.
في الداخل كنز من حياة أمي.
صور قديمة لنا ونحن أطفال بثياب شتوية كبيرة.
رسائل بخطها المنحني الرقيق.
بطاقات أعياد ميلاد تبهت ألوانها لكنها تحتفظ بحرارتها.
أوراق صغيرة كتبت فيها ملاحظات عن وصفات أو أمنيات أو مواعيد.
بطاقة علاماتي في الصف الثالث ما تزال تحتفظ برائحة الورق القديم.
خصلة شعري من أول قصة قصتها لي أمي وهي تضحك.
وسوار صداقتي الذي كنت أظنه مفقودا منذ أكثر من عشر سنوات.
ثم في أسفل الصندوق تحت بطاقة بريدية قديمة من كيب كود كان هناك ظرف.
ظرف بلون الياقوت الباهت.
وعليه بخط أمي الذي أعرفه كما أعرف نبضي



